الحرب الإيرانية الإسرائيلية.. من التصعيد إلى كسر العظام

الحرب بين إيران وإسرائيل تشتعل.

حذَّر خبراء في الشأن السياسي والعسكري من اتساع نطاق الحرب الإيرانية الإسرائيلية، مشيرين إلى أنَّ إيران لا تكتفي باستعراض عضلاتها الصاروخية فحسب، بل ترسل رسائل استراتيجية مزدوجة إلى تل أبيب وواشنطن على حد سواء، مفادها أنَّ عصر الردع الأحادي قد انتهى، وأن عمق إسرائيل لم يعد محصنًا، بل قابل للاختراق والشلل.

وفي حين تلوّح طهران بإمكانية جرّ المنطقة إلى حرب شاملة حال التدخل الأمريكي المباشر، تُشير الوقائع إلى أن هذه الهجمات، وما رافقها من صمت رسمي إسرائيلي، لا تعكس فقط خللًا في منظومة الردع، بل تنذر بإعادة رسم التوازنات الإقليمية في معادلة ما بعد الصواريخ.

خسائر إسرائيل تتجاوز الرواية الرسمية

من جانبه، قال منير أديب، خبير العلاقات السياسية، إنَّ الخسائر التي تكبدتها إسرائيل نتيجة الضربات الصاروخية الإيرانية أكبر بكثير مما يتم الإعلان عنه في وسائل الإعلام الرسمية، مشيرًا إلى أن التعتيم العسكري والرقابة المشددة المفروضة من قبل السلطات الإسرائيلية أخفقت هذه المرة في السيطرة الكاملة على المشهد، نتيجة الاعتماد المتزايد على صحافة المواطن ومقاطع الفيديو التي يتم تسريبها من داخل إسرائيل، والتي كشفت عن حجم الدمار في مواقع حساسة.

وأوضح أنَّ الصواريخ الإيرانية أصابت مناطق حيوية مثل بئر السبع وحيفا وعسقلان وتل أبيب، وتسببت في أضرار بالغة لبعض المنشآت الاستراتيجية، من بينها مراكز سيبرانية ومبانٍ حكومية، وسط عجز واضح في الدفاعات الجوية الإسرائيلية عن التصدي لتلك الهجمات. كما أكَّد أن بعض هذه الضربات خلفت قتلى وجرحى، وهو ما تحاول إسرائيل إخفاءه لتفادي التأثير السلبي على الجبهة الداخلية.

وأشار الخبير أيضًا إلى أنَّ الرقابة العسكرية الإسرائيلية تتبع نهجاً متكاملاً للتعامل مع الأزمات الداخلية يعتمد على تقليل حجم الخسائر المُعلنة، وعدم الكشف عن الأعداد الحقيقية للضحايا، وذلك في محاولة للحفاظ على تماسك المجتمع وتفادي موجات هجرة عكسية متزايدة، وهي بالفعل بدأت تظهر باتجاه أوروبا.

الحرب النفسية والتحكم الإعلامي الإسرائيلي

أوضح أديب أنَّ طريقة تعامل الحكومة الإسرائيلية مع هذه الأزمة تعتمد على ما أسماه بـ\”التحكم النفسي والإعلامي\”، بحيث يتم الإعلان عن خسائر جزئية بشكل متقطع وموزع زمنياً، والتركيز إعلامياً على بعض الحالات المؤثرة كالأطفال لتشتيت انتباه الرأي العام عن الحجم الكلي للخسائر.

وبيّن أن إسرائيل تلجأ إلى تأخير نشر المعلومات الرسمية أو إحالتها إلى \”قوانين تأريخية\”، كما حدث في سابقة الضربات العراقية عام 1991، عندما تم التكتم على نتائج القصف لعقود، مشيراً إلى أن هذا النموذج لا يزال مستخدماً حتى اليوم، رغم تغير الواقع التكنولوجي والإعلامي.

وعن المنشآت المستهدفة، قال أديب إن بعض الضربات الإيرانية أصابت مطارات ومبانٍ شاهقة تصل إلى خمسة وخمسين طابقاً، إضافة إلى مختبرات علمية ومعاهد بحثية، فضلاً عن مصافي النفط في حيفا التي كانت على وشك التسبب بكارثة بيئية وبشرية، لولا أن تمت السيطرة على الحريق المحتمل.

الموقف الشعبي الإسرائيلي بين الإدراك والدعم

قال أديب إنَّ غالبية المجتمع تدرك أن هناك تضليلاً إعلامياً، لكنهم رغم ذلك يواصلون دعم الحكومة في هذه المعركة، انطلاقاً من قناعتهم بأن المواجهة مع إيران ليست حرباً سياسية أو عسكرية تقليدية، بل \”حرب وجود\”، في ظل إصرار إسرائيلي على منع أي طرف إقليمي – خصوصاً إيران – من امتلاك سلاح نووي.

وأشار إلى أن الصراع بات واضحاً أنه ليس فقط بين دولتين، بل بين نظامين عقائديين يتصارعان على مستقبل المنطقة: نظام ديني عقائدي في إيران، وآخر ديني يميني في إسرائيل، وكلٌ منهما يتعامل مع المعركة من منطلق أيديولوجي يتجاوز الحسابات السياسية المباشرة.

اقرأ أيضًا: الضربة الأمريكية لـ”فوردو” تربك الأسواق.. وترقب لموجة ارتدادية

ضرب الجبهة الداخلية الإسرائيلية

اعتبر أديب أنَّ استمرار إيران في توجيه ضربات مركّزة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية قد يؤدي إلى أحد سيناريوهين: إما إجبار إسرائيل على التفاوض الدولي، أو دخول أطراف دولية كبرى على خط المواجهة، خاصة إذا نجحت إسرائيل في تصدير صورة \”الضحية\” للعالم الغربي.

وفي ختام تصريحاته، أوضح منير أديب أنّ المجتمع الإسرائيلي لن ينهار، لكنه يتعرض لاختبار حقيقي في قدرته على التحمل، مشيرًا إلى أنَّ إيران تراهن على استنزاف الداخل الإسرائيلي كاستراتيجية طويلة المدى، غير أنَّ هذا الرهان قد ينقلب إلى تصعيد خطير يشمل دخول قوى دولية كبرى إلى الصراع، ما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ملامح المرحلة القادمة من الصراع بين الطرفين.

اقرأ أيضًا: تداعيات المواجهة بين إيران وإسرائيل.. هل يُعاد رسم ملامح الشرق الأوسط؟

ضربات استراتيجية ورسائل مزدوجة من إيران

من جانبه قال محمد خيري، الكاتب المختص في الشؤون الإيرانية، إن الهجمات الإيرانية الأخيرة ضد إسرائيل شكّلت نقطة تحول استراتيجية في طبيعة المواجهة، وأسفرت عن خسائر بشرية واقتصادية فادحة للجانب الإسرائيلي، رغم ما تحاوله السلطات الإسرائيلية من تعتيم إعلامي وتضييق على تسريب الحقائق من الداخل.

وأضاف خيري أن المرشد الإيراني عندما صرّح بأن هذه الليلة \”ستذكرها البشرية لقرون\”، كان يشير إلى طبيعة الضربة النوعية التي نفذتها إيران باستخدام صواريخ \”فتاح\” الفرط صوتية، والتي استهدفت بنية تحتية عسكرية واقتصادية حساسة داخل إسرائيل، بما فيها موانئ ومطارات ومراكز استخبارات. وأوضح أن هذه الصواريخ تم الإعلان عنها للمرة الأولى في يونيو من العام الماضي، وهي من الجيل الأول لكنها تملك قدرات عالية على المناورة وتجاوز الدفاعات الجوية.

وأشار إلى أن هذه الضربات الإيرانية تمثل رسالة مباشرة للولايات المتحدة الأمريكية، مفادها أنَّ أي تدخل أمريكي في هذه الحرب سيفجّر المنطقة بأكملها، خاصة في ظل تصريحات أمريكية متكررة مؤخراً توحي بإمكانية الانخراط عسكريًا إلى جانب إسرائيل، لا سيما في ما يتعلق بضرب منشآت البرنامج النووي الإيراني وعلى رأسها منشأة \”فوردو\”.

كما بيّن خيري أن الضربات الإيرانية لم تكن مجرد استعراض للقوة كما يظن البعض، بل كانت عمليات نوعية جرت عبر 11 موجة متتالية، وهو ما يميزها عن الضربتين السابقتين المسمّيتين بـ\”الوعد الصادق 1 و2\”. ووفقًا له، فإنَّ \”الوعد الصادق 3\” كانت مختلفة كليًا، من حيث الحجم والنوعية والنتائج، حيث أصابت مواقع إسرائيلية مركزية، مما تسبب في خسائر حقيقية رغم إنكار إسرائيل العلني.

ولفت إلى أنَّ هذه الضربات أدت إلى توقف إنتاج الغاز في بعض الحقول الإسرائيلية، وهو مؤشر خطير على مدى تأثير الهجوم على البنية الاقتصادية، وتأكيد على أن الجانب الإيراني قد استهدف نقاطًا حيوية ترتبط مباشرة بالاقتصاد الإسرائيلي، وليس فقط المرافق العسكرية.

اقرأ أيضًا: تشويش الملاحة بالخليج ومضيق هرمز يشعل مخاوف النفط العالمي

الداخل الإيراني: توحيد مؤقت خلف النظام

أوضح خيري أن الوضع الاجتماعي معقد بالفعل، حيث تتكون إيران من خليط قومي متنوع، يضم الفرس والتركمان والأذريين والبلوش والعرب وغيرهم، لكنّ الهجمات على إسرائيل أسهمت في تعزيز التماسك الداخلي بين هذه القوميات خلف النظام، على الأقل في المرحلة الحالية.

وأشار إلى أن قوات \”الباسيج\” والحرس الثوري يفرضان قبضة أمنية صارمة تمنع أي حراك احتجاجي خلال هذه المرحلة، موضحًا أن التهم بالعمالة والخيانة لإسرائيل يتم توجيهها فورًا لأي معارض، مع إمكانية تطبيق عقوبات الإعدام مباشرة، وهو ما يمنع نشوء أي حراك حقيقي، حتى في المناطق التي تعاني من نزعة انفصالية كالأحواز أو بلوشستان.

التعبئة الإعلامية الإيرانية

أوضح خيري أنّ المشهد الإعلامي داخل إيران يظهر في هذه الأيام موجة تعبئة نفسية عالية، حيث تتداول مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع تظهر مواطنين إيرانيين يطالبون باستمرار الهجمات ضد إسرائيل، معتبرين ذلك \”ثأرًا قوميًّا\” واستعادة للكرامة في وجه \”العدو الصهيوني\”، على حد تعبيرهم.

وفي ختام تصريحاته، أكد محمد خيري أن إيران، من خلال هذه الضربات، تسعى لتوصيل رسالة مزدوجة: الأولى لإسرائيل مفادها أن إيران قادرة على الوصول إلى عمقها الاستراتيجي، والثانية للولايات المتحدة بأن أي تدخل سيُشعل حربًا إقليمية شاملة، قد تشمل تفجير مضيق هرمز أو استهداف القواعد الأمريكية في الخليج، وهو ما يجعل هذه المرحلة أخطر ما شهدته المنطقة في السنوات الأخيرة.

قد يهمّك أيضًا: الصراع بين إيران وإسرائيل يدفع الاقتصاد العالمي نحو حافة الانفجار

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

ابق على اطلاع بآخر الأخبار والتحديثات من Economy Pedia من خلال الاشتراك في النشرة الإخبارية لدينا!

اشترك الآن

Discover more from Economypedia

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading